أحمد بن محمد المقري التلمساني

176

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

الإقدام ، ولم يكن ملاك النصر بيده ، فخذله من وثق به ، ونكل عنه من كان معه ، فلم يزحزح قدمه عن موطن حفاظه ، حتى ملك مقبلا غير مدبر ، مبليا غير فشل ، فجوزي خيرا عن نفسه وسلطانه ، فإنه لا طريق للملام عليه ، وليس عليه ما جنته الحرب الغشوم ، وأيضا فإنه ما قصد أن يجود بنفسه إلّا رضا للأمير ، واجتنابا لسخطه ، فإذا كان ما اعتمد فيه الرضا جالب التقصير فذلك معدود في سوء الحظ ، فأعجب الأمير كلامه ، وشكر له وفاءه ، وأقصر فيما بعد عن تفنيد هاشم ، وسعى في تخليصه ، واتّصل الخبر بهاشم ، فكتب إليه : الصديق من صدقك في الشدّة لا في الرخاء ، والأخ من ذبّ عنك في الغيب لا في المشهد ، والوفيّ من وفى لك إذا خانك زمان ، وقد أتاني من كلامك بين يدي سيدنا - جعل اللّه تعالى نعمته سرمدا ! - ما زادني بمودّتك اغتباطا ، وبصداقتك ارتباطا ، ولذلك ما كنت أشدّ يدي على وصلك ، وأخصّك « 1 » بإخائي ، وأنا الآن بموضع لا أقدر فيه على جزاء غير الثناء ، وأنت أقدر مني على أن تزيد ما بدأت به بأن تتمّ ما شرعت فيه ، حتى تتكمّل لك المنّة ، ويستوثق عقد الصداقة ، إن شاء اللّه تعالى ، وكتب إليه بشعر منه : [ الطويل ] أيا ذاكري بالغيب في محفل به * تصامت جمع عن جواب به نصري أتتني والبيداء بيني وبينها * رقى كلمات خلّصتني من الأسر لئن قرّب اللّه اللقاء فإنني * سأجزيك ما لا ينقضي غابر الدّهر « 2 » فأجابه الوليد : خلصك اللّه أيها البدر من سرارك ! وعجّل بطلوعك في أكمل تمامك وإبدارك « 3 » ! وصلني شكرك على أن قلت ما علمت ، ولم أخرج عن النصح للسلطان بما زكنته « 4 » من ذلك ، واللّه تعالى شاهد ، على أنّ ذلك في مجالس غير المجلس المنقول لسيدي إن خفيت عن المخلوق فما تخفى عن الخالق ، ما أردت بها إلّا أداء بعض ما أعتقده لك ، وكم سهرت وأنا نائم ، وقمت في حقي وأنا قاعد ، واللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا ، ثم ذكر أبياتا لم تحضرني الآن . [ قصة في علو الهمة ] ومن حكاياتهم في علوّ الهمّة في العلم والدنيا أنه دخل أبو بكر بن الصائغ المعروف بابن باجة جامع غرناطة ، وبه نحويّ حوله شباب يقرءون ، فنظروا إليه ، وقالوا له مستهزئين به : ما

--> ( 1 ) في ه : « وأخصه بإخائي » محرفا . والتصويب من بقية النسخ . ( 2 ) في ه : « فإن قرب اللّه اللقاء » . ( 3 ) وإبدار البدر : طلوعه وتمامه . ( 4 ) في ه : « بما زكيته من ذلك » . وزكن له بفتح الزاي وكسر الكاف : خالطه وكان معه .